لماذا تأكل نفسك؟ ضغوطات الحياة وحلولها
لا تأكل نفسك
منذ سنوات كنت أتلقى دورة دراسية عن الصحافة في إنجلترا، وذات صباح كنت أجلس إلى مكتبي في قاعة المحاضرات، أستمع إلى المحاضر وأُدون ملاحظاتي، فطلب أن يكتب كلاً منا مقالاً قصيراً عن رحلة قام بها الدارسون في اليوم السابق ونزل عن منصته يتجول بين المكاتب ويقرأ السطور الأولى من كل مقال، حتى جاء إلى مكتبي فمددت له يدي بما كتبت كما فعل الزملاء، ففوجئت به ينحى يدي جانبًا وينحني على ليقول لي: سأقرأ ما كتبت فيما بعد، لكنى جئت لأسالك: ماذا يأكلك؟؟
وللحظة لم أفهم السؤال، لكنى خمنت أنه يسألني عما يشغل بالى وتأكد ظني حينما واصل حديثه قائلاً: إني ألاحظ أنك مكتئب منذ يومين، فماذا بك؟ هل تفتقد بلدك وأسرتك؟ وأسرعت أشكره لسؤاله وأطمئنه، لكنى وجدت نفسي أتأمل هذا التعبير، وأتعجب له!
ماذا يأكلك؟؟ يا له من تعبير غريب! لقد سمعته بعد ذلك مرات عديدة، وأستخدمه أحيانًا خلال إقامتي هناك كتعبير مجازى عما يفعله القلق والاكتئاب والهموم بالإنسان، لكنى لم أفهم معناه الحقيقي إلا فيما بعد عندما قرأت عما يفعله القلق بالإنسان...فإذا به "يأكله" فعلاً لا مجازاً وإذا بهذا التعبير الشائع عند الإنجليز تصوير دقيق لما جاء في كتب علم النفس الجسمي أو علم النفسجسمي - الذي يعرفه المتخصصون عن تأثير القلق على جسم الإنسان، فالقلق يسبب توتر الأعصاب وحدة المزاج، وتوتر الأعصاب يحول العصارات الهاضمة في المعدة إلى عصارات سامة، تنهش جدرانها فتصيبها بالقرحة وهكذا يأكل القلق جدار معدة الإنسان أولاً، ثم قد يتوحش بعد ذلك فيلتهم أو يتلف العديد من أعضائه الأخرى، فبعض أنواع مرض السكر وبعض أمراض القلب وبعض أمراض المخ تنتمى كلها إلى جِد واحد هو قلق الإنسان واكتئابه وخوفه من المجهول. وكل إنسان يخاف غالبًا من شيء ما... من المرض أو الفشل أو فقد الأحباء أو العوز أو فقد المكانة أو انعدام الدور أو الموت، ولا بأس بأن نخاف من أي شيء لكن المهم هو كيف نحتفظ بالخوف الإنساني في حدوده الطبيعية، ولا نسمح له بأن يسلمنا إلى غول الاكتئاب.
لقد قال وليم جيمس-مؤسس علم النفس التطبيقي - ذات مرة: إن الله يغفر لنا أخطاءنا لكن جهازنا العصبي لا يغفرها لنا أبداً، وهذا صحيح إلى حد كبير.. وأكبر أخطائنا في حق أنفسنا هو القلق والاستسلام للاكتئاب والشعور بالإحباط وكثيراً ما نتعرض لهذه الأعراض إذ بدا لنا فجأة كأن الطريق قد أصبح مسدوداً أمامنا وأن المشكلة التي نواجها جبل شاهق لن نستطيع أن نتسلقه لكى نهبط إلى الطريق الأمان من الناحية الأخرى... مع أن أكثر من شقو طريقهم بنجاح في الحياة قد اصطدموا بمثل هذه العقبات أو أعتى منها، فتخطاها البعض وتحول البعض الآخر عنها إلى طريق آخر في الحياة لم يلبث أن حقق فيه أكثر مما كان يحلم به لو سار في طريقه الأول... أما من جلسوا على الأرض يستشعرون العجز ويشكون سوء الحظ ويتحسرون على ما كانوا سيحققونه لو لم تصادفهم هذه العقبة، فلقد خسروا طموحهم وأعصابهم وصحتهم وقدرتهم على الاستمتاع بالحياة.
إن كتاب التراجم الشهيرة يفتشون في حياة المشاهير دائمًا على نقطة التحول التي كانت بداية انطلاقهم إلى المجد، فيكتشفون كثيراً أنها كانت عقبة كئوداً، أو فشلاً ذريعًا، أو إخفاقًا في تحقيق هدف، حول مجرى حياتهم إلى الطريق الذي لمعت فيه عبقرياتهم.
فبعض النقاد مثلاً يعتقدون أنه لو لم يصب "طه حسين" بالعمى في صباه، لما كان طه حسين الذي لا تكاد تخلو جامعة أجنبية في العالم الأن من رسالة دكتوراه عنه، وأنه لو توافرت ل"عباس العقاد" الظروف المادية اللازمة لمواصلة تعليمه في المدارس بعد الابتدائية لكان أقصى ما وصل إليه من مجد في حياته هو وظيفة مدير في مصلحة حكومية، ويعتقد بعض نقاد الغرب أنه لو لم يصب "بيتهوفن" بالصمم لما ألف سيمفونياته الخالدة، وأنه لو لم يتجرع "دوستويفسكي" و"تولستوي" و "تشارلز ديكينز"، التعاسة في حياتهم الخاصة لما كتبوا روائعهم الخالدة، والأمثلة كثيرة على العقبات التي اعترضت طريق المشاهير فحولوها إلى بداية جديدة ونجاح أكبر.
فلماذا نقف مكتوفي الأيدي أمام أي مشكلة تصادفنا أو أول عقبة تعترض طريقنا، فنحزن على ما فاتنا، ونتحسر على ما ضاع منا كأنما ننتقم من أنفسنا بالحزن والاكتئاب.
إن الحياة لا تتوقف أبداً..... ومياه النهر لا تكف عن الجريان". وأحد الفلاسفة الإغريق كان يقول: إن كل شيء في الحياة يتغير إلا قانون التغير نفسه! فلماذا نتصور أن الحياة سوف تخالف هذا القانون فيما يخصنا نحن فقط، فتبقى الأبواب دائمًا مسدودة والأحلام بعيدة.
إن الحياة جديرة بأن نحياها، والأحلام جديرة بأن نكافح من أجلها، والثقة في الله وفى النفس تشد أزرنا، وتشحذ إرادتنا...لكي نتطلع إلى نصيبنا العادل من السعادة والنجاح....
" فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تأكل نفسك يا صديقي؟! "
تعليقات
إرسال تعليق